الاقتصاد

القمح.. آمال الاكتفاء وضغوط فاتورة الاستيراد


..: إبراهيم الصغير
مع الهجرات الكبيرة من الأرياف إلى المدن حدث تغيير في نمط حياة الناس وغذائهم.. وأصبح الخبز المصنوع من القمح بديلاً للذرة الرفيعة بأنواعها والدخن، وزاد استهلاك القمح، ومع تدني إنتاجيته مؤخراً صار الاعتماد بصورة كبيرة على الاستيراد وأصبحت الدولة تستورد القمح بملايين الدولارات سنوياً وعلى الرغم من الحديث عن الاهتمام بزراعة هذا المحصول والذي يطلق عليه السلعة السياسية الأولى والحديث عن المساحات التي تتم إضافتها كل عام والتطمينات بإنتاجية عالية في كل موسم إلا أن مشكلة الاستيراد وفاتورته العالية ما زالت هي الهم المؤرق.
مجرد أحلام
وتلجأ الحكومة للتطمينات بالإنتاجية الكبيرة المتوقعة في بداية كل موسم إلا أن سير العملية الزراعية والمشكلات المتلاحقة من ارتفاع في التكاليف وعدم انتظام الري سرعان ما تكشف أن الحديث عن إنتاج يغني عن الاستيراد مجرد أحلام لتظل الفاتورة العالية للاستيراد حاضرة في شكاوى كل وزراء المالية والزراعة المتعاقبين.
محاصيل سوق
ويلاحظ أنه خلال السنوات الماضية تراجعت مساحات زراعة هذا المحصول المهم ودائماً ما يتفاجأ الناس بأن المساحات المستهدفة لم تتم زراعتها لأن المزارع أصبح يزرع محاصيل تدر عليه الدخل الفوري ويسميها “محاصيل سوق” تتعارض زراعتها وحصادها مع بداية زراعة القمح وينطبق هذا على محصول الفول في الولاية الشمالية، حيث أكد عددٌ من المزارعين التقتهم ( ..) أن الأفضل لهم أن يقوموا بزراعة محاصيل على رأسها الفول يضمنون دخلها أحياناً قبل حصادها.
إهمال الحكومة
وبالنظر للمساحات والإنتاج والإنتاجية للقمح في السنوات الماضية ومنذ العام 1992 وحسب تقارير رسمية نجد تذبذباً كانت له أسبابه التي يجملها الخبراء في إهمال الحكومة وعدم اهتمامها بزراعة القمح، ففي الأعوام من 1992 حتى 1995 كانت هنالك زيادة في المساحات وزيادة في الإنتاجية، ومن العام 1996 إلى 2005 كان هنالك تناقص في المساحات ومن ثم تراجع الإنتاج ومن العام 2007 إلى 2009 زادت المساحات وزاد الإنتاج والإنتاجية ومنذ العام 2009 وإلى الآن أخذت المساحات في التراجع و”الإنتاج في تدني”.
سياسات رشيدة
يرى خبراء أن مشكلة النقص في القمح يمكن حلها وبسهولة إذا وجهت الحكومة اهتمامها للزراعة وسنت سياسات رشيدة ومدروسة ووجهت الدعم لزراعته في مناطقها المعروفة وقللت تكاليف مدخلات الإنتاج وجعلت القطاع الزراعي جاذباً وأرجعت المزارعين للحقول التي هجروها بسبب الخسائر المتلاحقة وقبل كل هذا العمل على جذب الاستثمارات ورؤوس الأموال المحلية والأجنبية والتسهيل على المستثمرين.
زراعة السياسة
ويحذر خبراء زراعيون من عدم المواصلة فيما سموه بـ “زراعة السياسة”.
ويدعون إلى زيادة الصرف على الزراعة والعمل على تمزيق فاتورة الاستيراد التي وصفوها بالعالية.
و قال أنس محمد أحمد سر الختم – الخبير الزراعي – مساعد المنسق الأسبق لمشروع توطين القمح: لو صرفت الحكومة على الزراعة مع استخدام سياسة الزراعة وليس زراعة السياسة لعاد صرفها بفوائد جمة؛ لأن الصرف على الزراعة يمكن أن يحدث هجرة من المدينة إلى الريف ويسهم في عودة المزارعين إلى المزارع و يمكن أن يضمن فرص عمل لأعداد كبيرة من أفراد الشعب السوداني وأن يسهم في انحسار سوق البطالة و معروف أن القطاع الزراعي يستفيد منه أكثر من سبعين قطاعاً أهمها المزارعين والعمال في المصانع والمطاحن وسائقي الجرارات واللواري.
وأكد أنس أنه يمكن إنتاج المليون طن التي تحتاجها البلاد بمشروع الجزيرة ولكن بشرط أن يعود مشروع الجزيرة إلى وضعه الأول وأن يقوم على أضلعه الثلاثة “المزارع” و “الإدارة” و “الري” و هي البنية الأساسية للمشروع و فقدان أي ضلع فيها يضيعه.
وقال: لا توجد سياسات زراعية في السودان؛ لأن من أهم السياسات الزراعية ماهية الجدوى أو الهدف من الزراعة ثم بعد ذلك نأتي للكيفية والمكان الذي يتم الإنتاج فيه والكيفية والمكان موجودين ولكن تنقصنا الإجابة عن السؤال ما هو الهدف من الزراعة ؟؟
سلعة سياسية
و قال أنس: مشكلتنا مع الزراعة هي أن السياسيين لم يستطيعوا حتى الآن استيعاب أن القمح سلعة سياسية قبل أن تكون زراعية ولا يعلمون أن الأمريكان واليهود نصبوا لنا مصيدة القمح التي وقعت فيها كل دول العالم الثالث وحتى روسيا التي تفككت بسببها، ولو استوعب السياسيون هذا فإن أدوات الهروب من المصيدة موجودة لدينا ونستطيع أن نسود العالم بها ونقلب السحر على الساحر .
أكد أنس أن الاكتفاء الذاتي يمكن حدوثه بارتياح إذا اتبعت الحكومة سياسات زراعية رشيدة.. وأشار إلى أن مشروع الجزيرة بوضعه الحالي يمكن فيه زراعة مليون فدان من القمح فيه في مسلسل القمح المعروف.
خطط وبرامج
وأكد الخبير الاقتصادي الدرديري محمد الحسن أن أول أسباب التدهور هو عدم وجود إستراتيجية علمية، وخطط، وبرامج، لإنتاج القمح وعدم جدية الدولة، والتزامها بخطة لزراعة القمح لموسم ما، وعدم توفير الميزانية المقررة لزراعة هذا القمح.
وقال: في ظل المعطيات الحالية لا أتوقع أن نصل إلى الاكتفاء الذاتي ولكن لاحقاً وإذا تغيرت الظروف ليس مستحيلاً أن يتحقق الاكتفاء بشرط تحديث قنوات الري في مشروع الجزيرة وانتظامه وانتظام التمويل وتوفيره في وقته والالتزام بمواقيت الزراعة ووضع السياسات الجادة والمدروسة التي تصب حقيقة في مصلحة القطاع.. وأضاف: المخرج من استيراد القمح هو ترك أمر زراعته للقطاع الخاص وتشجيعه عليها ومنحه تسهيلات كبيرة أسوة بالمستثمرين الأجانب وربط تصديقات المصانع والمطاحن بالمساحات الزراعية.. وزاد: في هذه الحالة ستتم الزراعة في مناطق ذات إنتاجية عالية مثل الشمالية ونهر النيل وبتكنولوجيا وتقنية عالية مع المقدرة على استيعاب ذلك في الصناعة الخاصة بالشركة المستثمرة وأن يخصصوا مساحات للمستثمرين يكون بها حيوان ومطاحن ومصانع مثل صناعة النشأ و الجلكوز والعلف الحيواني وفي هذه الحالة يكون لدينا زراعة متكاملة مع الصناعة باستخدام الري المحوري أو إحدى وسائل الري الحديثة وفي هذه نضمن الإنتاجية العالية والتسويق والاستفادة القصوى من المساحة وفي فترة وجيزة يمكن تمزيق فاتورة استيراد القمح.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: