الأخبار

خطاب تحذيري من خبير تربوي لوزير التربية السابق حول القبول للجامعات – ..

الخرطوم: ..
كشف بروفيسور محجوب محمد الحسين الأستاذ بكلية التربية جامعة إفريقيا العالمية ونائب مدير الجامعة الأسبق، عن خطاب بعثه إلى وزير التربية والتعليم العام السابق أغسطس الماضي يعقب فيه على ما أدلى به الوزير في حوار صحفي قال فيه أن نتائج الشهادة الثانوية السودانية تطبخ بليل استجابة لتوجيهات من السلطة الحاكمة، بغرض تحسين صورة النظام لكسب الثقة والسمعة الحسنة في مجال جودة التعليم العام.

وتضمن خطاب بروفيسور محجوب وهو خبير تربوي معروف متخصص في المناهج وشغل منصب نائب عميد معهد بخت الرضا حتى ١٩٨٢، نقاطا علمية مهمة تتعلق بكيفية جعل الشهادة السودانية تعكس الواقع الحقيقي لمستويات الجالسين لها وهي جديرة إذا ما لم يتجاهلها الوزير السابق بأن تتجاوز الإشكالات التي حدثت في نتائج القبول للجامعات والمعاهد العليا هذا العام.

وأكد خطورة ما أدلى به الوزير إذ أنه يشكك في مخرجات التعليم العام في السودان، لأنه يطعن في عملية التقويم التي أصيبت في الصميم بأضرار بالغة في أدوات قياسها.

وقال بروفيسور محجوب أن ما دفعه للتعليق على ذلك حرصه على سمعة التعليم في السودان، ولأنه كان من المبادرين لاقتراح نظام التقويم الحالي للشهادة الثانوية السودانية الذي أصابه الضير على لسان أعلى سلطة في الوزارة المختصة.

مرفق نص الخطاب الوثيقة:

الأخ المكرم وزير التربية والتعليم العام
السلام عليكم ورحمه الله

أرجو السماح لي بمخاطبتكم بشأن ما جاء على لسانكم عن الشهادة الثانوية السودانية؛ وهو ما أكدتموه لاحقا في حوار مع صحيفة سودانية. وفحوى ذلك أن نتائج الشهادة الثانوية السودانية تطبخ بليل استجابة لتوجيهات من السلطة الحاكمة، بغرض تحسين صورة النظام لكسب الثقة والسمعة الحسنة في مجال جودة التعليم العام. وقد ذكرتم ما يفهم منه أن نتائج الشهادة الثانوية السودانية لا تمثل المستويات الحقيقية للممتحنين؛ وأن ذلك يعتبرفي رأيكم تدليسا وتزويراً، وأن الوزارة ستعمل على تصحيح ذلك بجعل الشهادة السودانية تعكس الواقع الحقيقي لمستويات الجالسين لها.

إن ما أدليتم به من تصريحات قد أثار حفيظة المسؤولين عن إدارة الامتحانات، لأنه يشكك في نزاهتهم وأمانتهم وسمعتهم المهنية. ليس هذا فحسب بل إن بعض قدامى المسؤولين عن الإدارة والعاملين فيها، قد أبدوا استغرابهم و غضبهم للتشكيك في سمعة وصدق(validity )الشهادة الثانوية السودانية التي تحظى بالتقدير والاحترام محلياً وعالمياً. إن خطورة ذلك أنه يشكك أيضاً في مخرجات التعليم العام في السودان؛ لأنه يطعن في عملية التقويم التي أصيبت في الصميم بأضرارٍ بالغة في أدوات قياسها.

إن ما دفعني للتعليق على ذلك حرصي على سمعة التعليم في السودان؛ ولأنني كنت من المبادرين في اقتراح نظام التقويم الحالي للشهادة الثانوية السودانية الذي أصابه الضير على لسان أعلى سلطة في الوزارة المختصة. ويجيء اهتمامي أيضاً بما يدور في الوزارة لكوني قد أفنيت زهرة شبابي بالعمل بها في أعرق مؤسسة تربوية؛ وهي معهد التربية بخت الرضا. كذلك يجيء تعليقي هذا من باب إبداء النصح، علّه يصب في تصحيح ما أصاب سمعة الشهادة الثانوية السودانية في صميم مصداقيتها، بل في مصداقية النظام التعليمي بوجه عام. كنت أتمنى ألا يعلن مثل هذا الرأي السالب حتى لو كان صحيحاً، وإنما كان يكفي أن يعلن الوزير أن الوزارة ستنظر في مراجعة نظام تقويم الشهادة الثانوية السودانية بعد مرور أكثر من عشرسنوات على تطبيقه؛ وذلك تفادياً للإساءة لسمعة.الشهادة السودنية، ليس هذا فحسب، بل تفادياً للإساءة لسمعة التربية والتعليم في السودان.

أرجو ألا يكون دافع التصريح، الذي أدلى به السيد الوزير، كان سياسيا أكثر منه علميا؛ وما دخلت السياسة في شيء إلا شانته، وما دخل العلم في شيء إلا زانه.
يعتبر الامتحان من أهم أدوات قياس التحصيل الدراسي؛ و دقة القياس في كل شيء تعتمد على أدوات القياس المستخدمة فيه. والامتحان- كما هو معلوم- يضعه بشر، ومهما كان مستوى تأهيلهم العلمي وحرصهم على الإتقان، وعلى الرغم من أن امتحانات الشهادة الثانوية السودانية تخضع للتنقيح (Moderation) من مختصين أكفاء، فإنها لا تخلو من بعض أوجه القصور، الأمر الذي يؤثر سلباً في دقتها في القياس. وهذا هو شأن كل أدوات القياس في العلوم السلوكية. وهذا ما يدعو اللجان الفنية للتدخل لمعالجة ما يمكن استدراكه من أوجه القصور؛ وهو أمر معهود في كل نظم القياس في العلوم السلوكية.
تطور نظم تقويم الشهادة الثانوية السودانية
مرت الشهادة الثانوية السودانية منذ استقلال السودان بثلاث مراحل:
1- السلم التساعي:
في هذا السلم تحول الدرجات الخام، بعد انتهاء عمليات التصحيح، إلى درجات بالسلم التساعي الذي يتكون من تسع درجات تبدأ بالعدد (1) تنازليا حسب الدرجة الخام، وتنتهي بالعدد (9) لأقل درجة.
وتحدد الدرجات التساعية وفق الأداء العام للممتحنين في كل مادة ممتحنة على حدة، وهذه الطريقة فيها قدر من المعايرة لأنها مبنية على مستوى الأداء العام في المادة الدراسية المعنية.
وتستخرج نتيجة الممتحن في واحدة من ثلاث صيغ: وهي: الدرجات: الأولى و الثانية والثالثة، وفق مجموع الدرجات التساعية من المواد المؤهلة لنيل الشهادة لكل ممتحن.وما يؤخذ على هذا النظام إن تحويل الدرجات الخام إلى السلم التساعي يتم تقديراً، وليس بمعادلة منضبطة كما في السلم التساعي المعروف : stanine = 5 + 2Z
حيث Z الدرجة المعيارية، و5 تمثل وسط السلم.
2- نظام النسبة المئوية للدرجات الخام:
استبدل النظام التساعي في السبعينات بنظام النسبة المئوية لمجموع الدرجات الخام الذي يحصل عليها الممتحن في المواد المؤهلة لنيل الشهادة. في هذا النظام تحدد درجة النجاح لكل مادة وفق الأداء العام في امتحان المادة المعنية. ويمكن أن تصبح درجة النجاح مثلا: 30 أو 33 او 40 او 45، ولكنها لا تزيد عن 50.
ومما تجدر الإشارة إليه أن المجموع الذي تحسب منه النسبة المئوية للطالب، قد يتضمن درجات مواد مختلفة في درجة النجاح. وهنا تكمن مشكلة رياضية؛ وهي جمع أشياء مختلفة القيمة. ومعروف أن درجات المواد المجموعة لا بد تحمل نفس التمييز. (مثلا: فلا تجمع 30 بوصة مع 30 سنتيمترا لتعطي 60). وهذا يمثل خطأً رياضياً يجعل عملية الجمع غير صحيحة، بل غير مفهومة. وبالتالي تصبح عملية القياس معيبة. وبذلك تكون نتائج الامتحان غير دقيقة بهذا النظام.
3-النظام الحالي:
مشكلة جمع الدرجات الخام لحساب النسبة المئوية كانت تمثل هاجسا لدى بعض التربويين داخل وخارج الوزارة من المهتمين بصدق الشهادة الثانوية السودانية. لهذا فقد كونت الوزارة لجنة لدراسة هذا الأمر، للخروج باقتراحات تعالج القصور الذي شاب تقويم الشهادة السودانية المبني على النسبة المئوية من الدرجات الخام.
واذكر من أعضاء اللجنة:
1- المرحوم يوسف المغربي مدير سابق لإدارة الامتحانات
2- المرحوم سلمان على سلمان مدير المركز القومي للمناهج والبحث التربوي
3- المرحوم أمين خضر الزين مدير سابق لإدارة الامتحانات
4- المرحوم ميرغني يوسف استاذ بالمرحلة الثانوية
5- الأستاذ عبد العزيز محيي الدين مدير إدارة الامتحانات
6- الأستاذ محجوب محمد الحسين نائب مدير جامعة أفريقيا العالمية آنذاك

عكفت اللجنة لدراسة المشكلة، وخرجت بتوصية بتبني نظام الدرجات المعيارية لقياس وتقويم الشهادة الثانوية السودانية. وقد استعين بالبروفيسور عوض حاج علي للوصول للصيغة النهائية المقترحة. وفي ضوء ذلك تم تصميم برنامج حاسوبي لاستخراج نتيجة الشهادة الثانوية السودانية،وهو نفس البرنامج المستعمل حالياً.

ولابد من ذكر أن هذا النظام يشبه النظام السابق في تحديد درجة النجاح، في كونه يعتمد على الأداء العام للممتحنين في كل مادة. والفرق بين هذا النظام وسابقه أن الدرجات فيه معيارية (Standard Scores) حيث تستخرج النتيجة من الدرجات المعيارية بينما في النظام السابق تستخرج من الدرجات الخام دون أي اعتبار إلى درجة النجاح التي حددت لكل مادة.

وفي هذا النظام قد ترتفع الدرجة المعيارية شكلا عن الدرجة الخام التي أحرزها الطالب في أي مادة دراسية إذا كان المتوسط الحسابي للمادة منخفضاً، كما يمكن أن تنخفض الدرجة المعيارية عن الدرجة الخام في حالة ان يكون المتوسط الحسابي للمادة مرتفعا. ربما كان هذا هو السبب الذي جعل البعض يظن أن الدرجات في الشهادة لا تمثل الأداء الفعلي للجالسين لها. صحيح أنها لا تمثل الأداء الفعلي بالدرجات الخام، ولكنها تمثل الأداء الحقيقي بالدرجات المعيارية. وجمع الدرجات هنا صحيح لأنه يمثل عناصر من نفس الشيء: كلها درجات معيارية؛ وحسبت بنفس المعادلة المعروفة في الإحصاء. فهنا نجد أن عملية الجمع صحيحة، وبالتالي فإن عملية القياس تكون صحيحة.
وفي هذا النظام تكون نقاط التقاطع(breaking points)، كما يلي على المنحنى الإعتدالي:
80 فما فوق أعلى من 1.41انحراف معياري
70 إلى79 من 0.74 إلى ≤ 1.41
60 إلى69 من 0.00 إلى ≤ 0.74
50 الى59 من -0.74 إلى ≤ 0.00
أقل من 50 أقل من 0.74-

إن النظام المعياري معمول به في كثير من نظم الامتحانات التي تعدها هيئات متخصصة (Examination Boards) في العديد من دول العالم. وتمتلك هذه الهيئات مئات الامتحانات المقننة(standardized exams) التي يمكن أن تستعملها إدارات الامتحانات في الجامعات ومراكز البحوث لقاء دفع رسوم مالية. ومثل هذه الامتحانات المقننة اختبر ثباتها وصدقها بتجربتها على نطاق واسع على عينات ممثلة للمجتمعات المستهدفة.

وامتحانات الشهادة الثانوية السودانية يمكن الوقوف على صدقها التنبؤي(predictive validity) بمعرفة أداء الطلاب في الجامعات السودانية مقارنة مع أداء الطلاب الذين يحملون شهادات من دول اخرى بنفس المستوى. ويمكن التحقق من ذلك أيضا بجلوس الطلاب للامتحانات المقننة التي تعدها الجامعات للقبول بكلياتها. ومن ذلك يعرف الصدق التنبؤي للشهادة.

وتجدر الإشارة أن الدرجات المعيارية استعملت في معهد التربية بخت الرضا منذ العام 1975 في كلية المعلمين الوسطى بمبادرة من الكاتب؛ وعمم النظام بعد ذلك في كل معاهد التربية بالسودان. ولا شك أن الخريجين من المعلمين من بخت الرضا المقومين بهذا النظام قد برهنوا على كفاءتهم في كل البلاد التي عملوا بها.

وقبل أن أختم أود التأكيد أن نتائج الشهادة الثانوية السودانية لا تزوّر إطلاقاً؛ وأن المسؤولين عن إدارة الامتحانات بالوزارة لا يخضعون لتوجيهات للتلاعب بنتائج الشهادة لإرضاء تلك الجهات. أقول هذا بحكم معرفتي بهؤلاء المسؤولين، وبحكم صلتي الوثيقة بهم، وبحكم اشتراكي في لجنة المعايرة لبعض الوقت. كذلك بحكم عضويتي في مجلس امتحانات الشهادة الثانوية السودانية لعدد من السنين.

وأريد ان أؤكد ان النظام الحالي لتقويم نتائج الشهادة الثانوية السودانية أفضل من النظم التي سبقته. ولكن على الرغم من ذلك فإن الوزارة يمكن أن تجري الوزارة بحوثا لمعرفة صدقيتها؛ ثم تعمد إلى تطويره وتحسينه. ولكن الرجوع إلى الدرجات الخام ينبغي استبعاده تماما، لأنه سيكون نكسة لنظام التقويم بالوزارة، لما ينطوي عليه من قصور بيّن لا تخطئه العين الناقدة،كما أوضحت آنفاً.

ختاما هل لي أطمع أن يستدرك السيد الوزير ما جاء على لسانه عن الشهادة الثانوية السودانية الذي كان له أثر سالب على سمعتها وصدقيتها.وذلك اقتداءً بقول سيدنا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه :”ولا يمنعنك قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه رأيك، فهديت لرشدك، أن تراجع فيه الحق؛الحق قديم لا يبطله شيء،ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل”.

والله أسأله التوفيق والسداد للطيب من القول والعمل.

محجوب محمد الحسين
استاذ كلية التربية جامعة افريقيا
نائب عميد بخت الرضا سابقا

[ad_2]
Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: