مقالات وتحقيقات

د. محمد عبدالله كوكو يكتب.. كيف يخرج السودان من عنق الزجاجة ؟

عاش السودان منذ استقلاله في دائرة مغلقة..حكومات ديمقراطية منتخبة تطيح بها حكومات انقلابية عسكرية تقتلعها ثورات شعبية. وبعد كل ثورة تتكرر نفس الاخطاء (الصراع بين الكيانات اليسارية والتيارات الاسلامية) لقد كان واضحاً عقب التغيير الذي حدث في ديسمبر أن أزمة سياسية كبيرة في السودان تتطلب قائداً ذا شخصية كاريزمية تقود وتدفع كل مكونات الشعب السوداني المختلفة (من غير اقصاء لاي مكون) إلى مشروع وطني يتفق عليه الجميع بابتدار حوار شامل ومصالحة تفضي إلى وفاق تام بالبلا لكن الحاضنة السياسية من قوى “الحرية والتغيير” اختارت العمل بالأفكار القديمة للأحزاب اليسارية وفتحت المجال لحزب البعث السوداني لتطبيق تجربة حزب البعث العربي بالعراق وسوريا. كما تشظت الحاضنة السياسية نفسها وضعفت بسبب تنازعها حول اقتسام كعكة السلطة ومغانم المناصب، ولم تنجح إلا بتفكيك المؤسسات الحكومية والملكية الخاصة الناجحة، مما أدى إلى انهيار شامل بجميع القطاعات، بخاصة في قطاعَي التعليم والصحة.

لم يكن يتوقع أكثر المتشائمين أن يكون الأداء الاقتصادي للحكومة الانتقالية بهذا السوء، فقد بلغ التضخم أكثر من 400% واضعين بالاعتبار أن العامل الاقتصادي كان الحافز الأساسي لتحريك الشارع ضد نظام البشير. فبدلاً من التوجه نحو الداخل ومعالجة اختلالات الاقتصاد السوداني نتيجة العقوبات الأمريكية، ومحاربة الفساد وحسن إدارة الموارد المتاحة وتشجيع عجلة الإنتاج، عولت حكومة حمدوك على الدعم المتوقع من المؤسسات المالية الدولية.

عقد الكثير من المؤتمرات الدولية لدعم السودان آخرها كان في باريس، كما وجدت وعود بإعفاء ديون السودان بعد التأكد أن السودان نفذ الإصلاحات المطلوبة ومنها رفع الدعم الكامل عن السلع والخدمات. مقابل تسديد المتأخرات وتقديم القروض وبداية إجراءات الإعفاء التام عن الدين الخارجي وهي عملية تستغرق عدة سنوات.

التزام حكومة الفترة الانتقالية الحرفي وصفة الصندوق الدولي جعلها تتخذ سياسات اقتصادية متوحشة، بخاصة بمواجهة الطبقة الفقيرة ومحدودي الدخل، فرُفع الدعم عن السلع الأساسية بما في ذلك الوقود والخبز، مع تدهور مريع للجنيه السوداني أمام الدولار، إذ حُرِّر سعر صرف الجنيه وعوِّم من دون اتخاذ الاحتياطات اللازمة التي منها وجود احتياطي كافٍ من العملة الصعبة لدى البنك المركزي. هذه السياسات هيجت الشارع مرة أخرى وانطلقت حملة “أختونا” لسحب البساط من الحكومة الانتقالية بجمع توقيعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي والاتصال المباشر بالأحياء والأسواق، كما دُعي لمسيرة كبرى بـ30 من يونيو لكن الحكومة تعاملت معها بعنف مفرط وهذا العنف لن يحل المشكلة بل يعقدها اكثر.

يفتخر رئيس الوزراء عبد الله حمدوك بما يطلق عليه دوماً “النموذج السوداني” باعتبار أن الشراكة بين المكون المدني والعسكري تجربة فريدة يمكن أن تحتذى، بيد أنها وفي ظل تراخي الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية وتمزقها “أدت إلى سد المكون العسكري لهذا الفراغ والضعف وتجاوز الدور الذي نصت عليه الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية. وأصبح للعسكر اليد الطولى بكثير من المهام التنفيذية، كما أسهم المكون العسكري بفاعلية في توقيع اتفاقيات السلام مع فصائل مسلحة حضر بعضها بمقاتليه إلى العاصمة الخرطوم في إطار الترتيبات الأمنية.

فوجود عدد من الجيوش في العاصمة أفزع المواطنين، كما بدأت هذه الجيوش تتمترس وتمارس أنشطة تمثل خطراً ومضايقة للمواطنين، في ظل غياب تام للشرطة وجهاز الأمن والمخابرات الوطني الذي جرى تحجيم دوره واقتصاره على جمع المعلومات.

تعتبر المؤسسات التشريعية من مجالس وبرلمانات والأجهزة القضائية والعدلية قوام النظام الديمقراطي ومرتكزه، وهي التأمين الفعلي للمسار الديمقراطي، وقد شهدت الفترة الانتقالية في السودان فوضى في التشريع، كما جرت خلخلة الجهاز القضائي من خلال تمكين لجان الناشطين من عزل القضاة وفصلهم، واختلطت اختصاصات الأجهزة العدلية فيما بينها، فالنيابة أصبحت هي الحكم والخصم، كما لم تشكَّل المحكمة الدستورية بعد.

وأصبحت لجنة “تفكيك نظام 30 يونيو بمثابة حكومة موازية تنفذ مهام الشرطة والنيابة والقضاء والجهاز التنفيذي وخلافه، ولديها صلاحيات لمصادرة الأموال والأملاك الخاصة، ولديها سلطة اعتقال وحجز من ترى أنه يهدد النظام القائم، وفشلوا في تعيين المجلس التشريعي غير المنتخب الذي اتُّفق على تكوينه وفقاً للوثيقة الدستورية، لخلافات بين الشركاء واعتقاد البعض أنه سيسلب الحكومة بعض التفويض والصلاحيات المطلقة. ولعل دعوة رئيس الوزراء في مبادرته لتكوين المجلس التشريعي خلال شهرين لن تجدي فتيلاً، بخاصة أن مهام المجلس نفذها الجهاز التنفيذي المدني بالاشتراك مع المكون العسكري بما في ذلك إلغاء كل القوانين ذات المرجعية الإسلامية.

إن ما يحدث في السودان الآن هو حالة تشظٍّ بين القوى الحاكمة، وهو صراع بين مختلف مكونات قوى الحرية والتغيير من جانب والمكون العسكري من جانب آخر كما وصفه رئيس الوزراء للإبقاء على الوضع الحالي وتمديد الفترة الانتقالية إلى أطول أجل ممكن، فلا يوجد حديث عن إجراء انتخابات أو تكوين المحكمة الدستورية، كما تجاوزت الحكومة الانتقالية منذ اليوم الأول مهام الحكومات الانتقالية في ترتيب الانتقال الديمقراطي وتسهيله وتمارس مهام حكومة منتخبة كاملة الدسم.

أضاع رئيس الوزراء حمدوك فرصة ذهبية ولم يستغل الإجماع الشعبي الذي حظي به قبل نحو عامين، وهو الآن عليه تسليم البلاد لحكومة تصريف أعمال من تكنوقراط، توقف التدهور وتحفظ البلاد من المصير المظلم الذي يهوي نحوه السودان، توطئة لإجراء انتخابات حرة في مدة أقصاها عام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: