تقارير وتحقيقات

تقرير : حاضنة حمدوك الجديدة.. من أي طينة سياسية تتخلق؟



 

الخرطوم : نبتة نيوز

يفتأ رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك يصارع في أكثر من جبهة لتأكيد عودته الظافرة بصلاحيات رئاسية كاملة، حين وقّع على البيان السياسي نهار “21” نوفمبر، واستقر به المقام مرة أخرى في ذات مكتبه المطل على شارع النيل بمجلس الوزراء. مُنذها انخرط في سيل من اللقاءات الصحفية، منافحاً عن وقع خطوته الجديدة دون حاضنة حزبية، وكانت أول قراراته عودة لجان الخدمات والتغيير، والإطاحة بمدير الشرطة خالد مهدي، وتعيين الفريق عنان حامد بديلاً له، لعل ذلك يعيد له بعض البريق، أو الشعبية التي بدا زاهداً فيها بالأقوال، ساعياً لها بالأفعال.
الكتلة الأولى التي التفت حول حمدوك شاكرة وحامدة له قبل أن يتسنم منصبه، كانت من مختلف الأطياف السياسية، وكثير من الشباب الذين رمقوا في شخصه أحلامهم، حد التمجيد الغنائي” حمدوك يسلموا الجابوك”، سرعان ما التحقت بها عضوية أحزاب قوى الحرية والتغيير التي هيمنت على السُلطة، وباتت هى الائتلاف الحاكم، فطفقت تدافع عنه في مواجهة السخط الشعبي المتمدد، وتردي الأوضاع المعيشية، وحاولت ربط مصيرها بمصيره، لكنه تحرر من ذلك القيد الذي أدمى معصمه التنفيذي، وربما وجد حمدوك في بيان البرهان الموسوم بتصحيح مسار الثورة، المشار إليه في تدوينات تجمع المهنيين بالبيان الانقلابي، ربما وجد فيه ضالته، للتخلص من وطأة حزبية ثقيلة، أحكمت عليه، في مجلسي السيادة والوزراء، فتم تصفير العداد له بيد الجيش، لا بيده، حتى لا يتحمل المسؤولية المباشرة، ويدفع لوحده فاتورة التغيير الذي تم.
بخلاف مدير مكتبه علي بخيت لم يظهر أي مستشار آخر إلى جانب حمدوك أثناء التفاوض مع المكون العسكري، إذ أن بخيت لم تطاله يد الاعتقال فجر الـ”25 من أكتوبر”، وهو المترجم والمُعلَّم الذي التحق بمعهد السودان للغات، عقب تخرُّجه من كلية الآداب جامعة الخرطوم بدايات التسعينات، ولم يُعرف له أي انتماء سياسي ظاهر سوى التحاقه بحركة الطلاب المُحايدين أثناء الجامعة، وبالطبع سمته الصوفي الطاغي، ولعل سر تمسك حمدوك به أنه ينتمي لذات الجغرافيا الكُردفانية التي ينتمي لها، الى جانب عامل الثقة الموفور بينهما، فضلاً على تواجد أحمد شموخ وحاتم قطان في ذات سفينة حمدوك، حيث لم يصدر منهما ما ينفي غيابهما أو ترجلهما، كذلك بقية ما كان يعرف بشلة المزرعة، فيما سكت عن الكلام المباح ياسر عرمان مستشاره السياسي المفرج عنه، ولعل الشخص الآخر الذي كان قريباً من حمدوك أثناء الإقامة الجبرية والتفاوض، وقد شارك فيه بقوة، وهو مكين تيراب، الأمين العام لجهاز المغتربين، وقريب الصلة بحزب الأمة، ومنصات الدعم السريع، كما انضم لجمهرة حمدوك بعض شباب الإسلاميين الحانقين على قوى الحرية والتغيير وتجربة لجنة التفكيك المريرة.
لا شك أن حزب الأمة من خلال الحضور الضافي لرئيسه المكلف اللواء فضل الله برمة ناصر، بات على رأس قيادة المنظومة المساندة لحمدوك، وقد سعى الحزب عبر رئيسه إلى الدفاع عن الإعلان السياسي، ولم ينف صلته به، بل كانت قيادة الحزب ممثلة في برمة والواثق البرير وعبد الرحمن الصادق حاضرة بصورة رسمية في كواليس التوقيع، إلى جانب القيادي في الحزب الجمهوري الدكتور حيدر الصافي الذي قرر البقاء في الجوار.
وبينما اختفى الشيخ خضر كبير المستشارين السابق، حافظ الدكتور الشفيع خضر على صلته الوثيقة بحمدوك، حتى إبان الأزمة الأخيرة، وشارك ضمن عديد الشخصيات السياسية في صياغة المبادرة التي أعادت حمدوك إلى منصبه، وينتمي الشفيع إلى مجموعة وصفها الكاتب محمد المبروك بـ” أبناء الفراغ”، وجلهم من مرافيد الحزب الشيوعي، تجمعهم روابط تنظيمية سرية، وتصورات أقرب إلى المدرسة الليبرالية يسعون إلى رعايتها في كنف السلطة، ما يعني أنهم في قطيعة فكرية مع النهج الماركسي وربما اسم الحزب الشيوعي أيضاً، على الأقل في الظاهر، ولا يتناهون عن منكر تداول روشتة البنك الدولي.
على نحوٍ أثار حالة من الجدل أصدر حمدوك قراراً أنهى بموجبه من سبق تكليفهم من قبل الفريق عبد الفتاح البرهان في الوزرات عدا وزارة الإعلام، وكلف نحو ” 20″ شخص بالمهام التنفيذية، لكثير منهم انتماءات ظاهرة، فلم تخلو القائمة من صبغة حزبية، تركزت بصورة لافتة في حضور حزب الأمة القومي والحزب الجمهوري، وجماعة أنصار السنة وبعض اليساريين، داخل التعينات الجديدة، في وقت أيضاً حرص حمدوك أن يلتقي بقيادة الشرطة الجديدة وأكد على حماية حق المتظاهرين في التعبير السلمي، كما ظهرت في وقت سابق داخل مكتبه مجموعات شبابية من لجان المقاومة وتنسيقيات الخرطوم، أوضح لهم الأسباب التي دفعته للعودة، مؤكداً على تمثيل الشباب في المجلس التشريعي، وقام بتسويق يوتوبياه المستحدثة أمامهم، لمن أراد العبور والانتصار.

يتضح من تلك السردية أن حمدوك عازم على استكمال شيء ما، ويمضي بدأب في بناء حاضنته السياسية الجديدة للعبور فوق حقل من ألغام المواكب والمتاريس، كما أنه يحاول استمالة حزب الأمة والحركات المسلحة، وبعض شتات الجمهوريين، حمل على سفينته من كل زوجين اثنين ورفاقه القدامى، ويبدو أن رئيس الوزراء من خلال توجيه الشرطة إلى عدم التعرّض لموكب القصر، هدف إلى الضغط على مجلس السيادة لتمرير التعينات الأخيرة لكسب المزيد من المؤيدين له، وربما على ذات الطريقة يتم اعتماد السفراء ومديرو البنوك والشركات الحكومية، ليكونوا بمثابة الحاضنة الحمدوكية الجديدة.
الواحة – عزمي عبدالرازق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: