مقالات وتحقيقات

السلام في عالم الذئاب – صحيفة كفر و وتر الإلكترونية


احمد الفكي
السلام في عالم الذئاب

أوتاد – أحمد الفكي

شاهدته بأم عيني و لم يفصلني عنه سوى بضع سنتمترات ، مفترس بكل ما في الكلمة من معنى ، أكبر حجماً من كلب الراعي الألماني أو الجيرمان شيبرد ، لأول مرة أرى و أشاهد الذئب في حياتي ، ليس في المنام بل في الواقع و اليقظان ، كان ذلك في نفود ( أي صحراء) في منطقة حائل السعودية حيث لبَّينا دعوة غداء من إخوة سعوديين نصبوا خيمتهم في شكل بيت شعر كبير يسع لأكثر من خمسين شخصاً و بحوار ذلك البيت قفص من سيخ مترين في مترين و بداخله ذئب لم يهدأ له بالاً أبداً منذ وصولنا ذلك المكان حتى مغادرتنا ، حركة دؤوبة بقوة في شكل هرولة ووثب وضرب على سيخ القفص في الاتجاهات الأربعة بأنياب بارزة ولسان كلسان الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث .. بعد الترحيب بنا و تناول القهوة العربية مع التمر وقبل أن يحين موعد الغداء وقفت مرتجلاً و متحدثاً فاتحاً باب الحوار و النقاش عن الذئب الذي أمامنا بما لديَّ من معلومات عن ذلك الحيوان من صفاتٍ يمتاز بها مع مقارنة من صفات مشتركة مع ابن آدم . فقلت لهم ورد ذكر الذئب في القرآن الكريم في سورة واحدة ثلاث مرات وهي سورة يوسف . ( قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13)

( قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ) (14)

(قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) (17)

ثم تطرقت لبعض صفات الذئب منها صفة الغدر وهي رضعها مع لبان أمه وهو جرو صغير ، و يمتاز الذئب بمهارة الصيد ، كما أنه ينام بعين واحدة نتيجة الحذر ان يصيبه مكروه ، قال الشاعر واصفاً تلك الصفة :

ينام بإحدى مقلتيه و يتَّقي

بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع .

في عالم الذئاب تجد السلم و السلام و التعاون فيما بينهم و ذلك من خلال إذا جاع الذئب عوى فتجتمع الذئاب حوله ، فمن هرب منها أكلوه ( يعني الموت مع الجماعة عرس ) وكما جاء في الأمثال الإنجليزية القديمة الذئب لا يشن حرباً على ذئب أبداً A wolf will never make war upon another wolf

هذه الصفة لا تتوفر في الإنسان ، فكم من حروب نشبت و شنها ابن آدم على أخيه من بني جنسه وجلدته و قد يكون شقيقه .

صفة الغدر نجدها في الإنسان وهو بذلك يشارك الذئب فيها ومرد ذلك يعود لسوء الطبع و ما قصة البدوية التي وجدت جرو ذئب صغير في الطريق، عطفت عليه و أخذته معها و سقته من لبن شاتها و عندما اشتد عوده غدر بالشاة فبقر بطنها و قد صورت البدوية ذلك المنظر في هذه الأبيات :

بقرت شويهتي و فجعت قلبي

و أنت لشاتنا ولد ربيب

غُذيت بدرها و ربيت فينا

فمن أنبأك أنَّ أباك ذئب

إذا كان الطباع طباع سوء

فلا أدب يفيد و لا أديب .

وهذا ما يُذكرنا بقول زهير بن أبي سلمى :

و مهما تكن عند امرئٍ من خليقة

إن خالها تُخفى على الناسِ تُعلَمِ .

و ما يفهم من ذلك نجد الإنسان رغم ما يحمله من علم إلا أنَّ ( القلم ما بزيل بلم ) وهو مثل شعبي سوداني متداول ، نجد القلم ما بزيل بلم عندما يتقوقع الأستاذ الجامعي السوداني في بلاد الغربة في محيطه وسط زملائه فقط دون مجتمعه الكبير مما يجعله نكرة غير معروف ، وهو في ذلك عكس الذئب الذي يبحث العيش و التواصل مع مجتمعه .

القلم ما بزيل بلم نجده في الشخص الذي يحب التنظير و النقد من أجل النقد و رفع الصوت دون أن يُبادر بدفع ما عليه من مبلغ اشتراكه السنوي إسوة بزملائه في رابطته الرياضية أو الثقافية أو جاليته أياً كانت أو منظومته التي ينتمي إليها ، دون شك لن يجد غير الطرد و النبذ و الإهمال من تلك الرابطة أو المنظومة ، و إتخاذ مثل هكذا قرار نجده في عالم الذئاب في حالة الذئب الجائع الذي يعوى و تجتمع حوله الذئاب وعندما يهرب واحد منهم يكون عقابه قتله و أكله .

الغدر صفة ذميمة نتيجة سوء طبع و خُلق وهو من أهم ما يُِميِّز الذئاب ، فكثيراً ما نسمع عبارة الذئاب البشرية عندما تحدث جريمة تهز المجتمع .

قيل الكثير في الذئاب في شكل قوالب الحِكمة و الأمثال منها :

في مأتم الذئب عيد الثعلب .

يستطيع الذئب تغيير جلده لا تغيير طبعه .

الراعي الذي يفتخر بالذئب لا يحب الخراف .

* آخر الأوتاد :

للإمام الشافعي هذه الأبيات :

نعيب زماننا و العيب فينا

و ما لزماننا عيبٌ سوانا

و نهحو ذا الزمان بغير ذنبٍ

و لو نطق الزمان لهجانا

وليس الذئب يأكل لحم ذئب

و يأكل بعضنا بعضاً عيانا


امسح للحصول على الرابط



بواسطة :
احمد الفكي


 0
 0

كفر ووتر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى